"شافت الشمس بآخر سنينها.. كانت تطبخ من ملح عمرها الي راح مؤبد"

 

 

"خلصت محكوميتي بست سنين، اتهموني إني اشتركت مع ابن عم جوزي بقتله.. أنا ليلتها خفت ع ولادي.. خفت يكمل عليهم.."، والدمع يخالط كفيها الجافين :"همه ولادي نفسهم إلي فتت مشان أحميهم السجن ما بدهم أطلع منه.. قالوا للمحافظ (خليها عندك هاي قتلت أبونا..)".

 

"هيني يما من عشرين سنة ما شفت الدنيا.. ما بعرف إشي غير الزنازين.." *

 

خفت ع ولادي!

بمطلع التسعينيات، في ليلة خريفية، دق باب منزلها الذي تصاعد من أسفله الصدأ، وتساقطت من مدخله كسرات دهان أزالته الرطوبة، ففتحت منى (اسم مستعار) لابن عم زوجها، دون أن تعرف أنها آخر مرة ستفتح فيها باباً طوال حياتها.

دخل الضيف يبحث عن زوجها في غرفة المعيشة، ليدخلا سريعاً في عراك اختلطت فيه الأصوات وارتفعت، لتقف منى بباب غرفة أطفالها وتسده أمام تهديد ابن العم بقتلهم بعد أن أردى والدهم قتيلاً.

"دخيلك ولادي.." تصرخ منى لتمنع ضيف الليل القاتل من أن ينهي حياة عيالها، ويرد القاتل: "فوتي الغرفة ولا تطلعي صوت وإلا..".

اتهمت منى بمساعدة ابن عم زوجها في جريمة القتل، حيث قررت المحكمة حينها سجنها بسنوات ست، إلا أنها بدأت بعدها بمحكومية جديدة كان القاضي فيها أولادها الذين كبروا وهم مقتنعون أن أمهم "قاتلة أبيهم".

"كنت أقدم كل سنة استدعا للمحافظ إني خلصت سجن.. يناديني يقلي ولادك بقتلوك إذا بتطلعي من عندي.."، وبقيت منى في عداد الموقوفات إدارياً عقدين من الزمن بموجب أحكام قانون منع الجرائم الذي يسمح للحاكم الإداري "إيقاف" المعرضين للخطر و"حبسهم" حفاظاً على سلامتهم.

تؤكد منى أن الكثيرين زاروا السجن وسألوا عن حالها وسبب استمرار توقيفها إلى جانب العشرات من السيدات المعرضات للخطر وهن يراكمن السنوات تلو السنوات وراء الزنازين خوفاً عليهم من الأذى.

 

"نسيوني محبوسة.. مش سنة ولا ثنتين.. عشرين سنة ولسا.."

 

زارتها الصدفة

في عام 2015 ضمن زيارة عمل لمحامية مركز العدل للمساعدة القانونية الأستاذة إلهام أبو لبدة قابلت فيها مديرة سجن النساء في الجويدة جنوب شرقي العاصمة عمّان، قدمت منى قهوة الضيافة، وخرجت، وكان قد غاص رأسها بين كتفيها. "شايفة هاي يا أستاذة.. موقوفة إداري.. إلها سنين.. الكل بحبها وصارت منّا وفينا.. عيّنتها في المطبخ بدل ما تظل بعنبر الحبس هيها مع الموظفات.. أكثر شي بقدر أعمله إلها" توضح الضابطة مديرة السجن.

طلبت المحامية مقابلة منى، التي رفضت بداية، وهي تردد "كلهم بسمعوا قصتي بوقعوني وكالات.. وبروحوا.. بكفي.. ما بدي أشوف حدا..".

استمعت المحامية لقصة منى بالتفصيل، وأقنعتها بتوقيع وكالة لتمثيلها أمام الحاكم الإداري، ومنى تتساءل "يعني بدك تطلعيني بعد هالعمر..؟!"، تقدمت المحامية باستدعاء عاجل للمتصرفية توضح فيها الأسباب الموجبة للإفراج سريعاً عن منى لما تتعرض له من عقوبة مضاعفة مرات أكثر بكثير مما حكمها القضاء.

خلال أسبوع من حينها، كانت المحامية قد تواصلت مع زوج ابنة منى وأحضرت كفالته وتوصلت إلى قرار الإفراج من الحاكم الإداري، لترى منى بعد سنوات طويلة ضوء الشمس خارج أسوار السجن.

 

شفت ناس عايشين برا سجن!

"ما عرفت عمّان.. ما عرفت الدنيا.. شفت العمارات.. السيارات.. الشوارع.. الناس.. في ناس عايشين برا السجن.. تخيّل؟!"

انهمرت دموع منى طوال الطريق بين السجن وبيت ابنتها، مستغربة من وجود حياة مستمرة فيها من يمشي حراً في الشوارع، "كانت تغطي ع عيونها من ضو النهار.. مش متحملته.. قالتلي نسيت كيف الناس بتعيش أصلاً.." تصف المحامية اللحظات الأولى للإفراج عن منى.

استمرت منى في العمل في مطبخ السجن، فلم تجد مصدر رزق آخر، إلا أنها كانت تغادر مع العاملات لتبيت في منزل ابنتها مع أحفادها بعد أن تشتري كل أسبوع لهم ألعاباً بسيطة من عشرات الدنانير التي تتقاضاها.

"صدقتوا معي.. الأستاذة كانت صادقة وحاولت عنجد ترجعني للدنيا.." عبارة لازمت منى في كل مرة زارت فيها مركز العدل بعد الإفراج عنها، وتضيف "لولاكم ما شفت ولاد بنتي.. ما شفت ضو الشمس..".

 

رحلت منى.. "ملح الأكل بالسجن ناقص"

توفيت منى مطلع عام 2019 بمرض السرطان الذي اكتشف متأخراً، "كانت تتألم وما تحكي.. ما بدها تغلّب حدا بمرضها.. لما تعبت كثير أخذناها ع المستشفى قالوا السرطان انتشر.. ما شبعنا منها.." تقول ابنتها، التي أجابت على هاتف والدتها حين اتصلت أبو لبدة –كالعادة- للاطمئنان عليها، "اعطتك عمرها يا أستاذة.. شافت ضو الشمس بآخر سنينها..".

زميلاتها العاملات في السجن وصفوا "عِشرة" أكثر من 20 عاماً مع مظلومة "كانت تطبخ من ملح عمرها الي راح مؤبد" نقلاً عن ابنتها.

 

* جميع الاقتباسات على لسان السيدة منى سجلت قبل عامين من وفاتها.

 

 

منذ عام ۲۰۰٨، يقدم مركز العدل للمساعدة القانونية خدمات الاستشارة والتمثيل القانوني لرقيقي الحال والمستضعفين في المجتمع، سعياً لتحقيق وصول متساو بين أفراد المجتمع وينعمون بالعدالة ويسودهم القانون.